ابن خلدون
241
تاريخ ابن خلدون
وفى سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة خرج الدمشق في جموع الروم فنازل المصيصة وشد حصارها وأحرق رساتيقها وبلغ إلى نقب السور فدافعه أهلها أشد مدافعتهم ثم رحل إلى أذنة وطرسوس وطال عيثه في نواحيها وأكثر القتل في المسلمين وغلت الأسعار في البلاد وقلت الأقوات وعاود مرض سيف الدولة فمنعه من النهوض إليهم وجاء من خراسان خمسة آلاف رجل غزاة فبلغوا إلى سيف الدولة فارتحل بسببهم للمدافعة فوجد الروم انصرفوا ففرق هؤلاء الغزاة في الثغور من أجل الغلاء وكان الروم قد انصرفوا بعد خمسة عشر يوما وبعث الدمشق إلى أهل المصيصة وأذنة وطرسوس يتهددهم بالعود ويأمرهم بالرحيل من البلاد ثم عاد إليهم وحاصر طرسوس فقاتلهم أشد قتال وأسروا بطريقا من بطارقته وسقط الدمشق إلى أهل المصيصة ورجعوا إلى بلادهم ثم سار يعفور ملك الروم من القسطنطينية سنة أربع وخمسين إلى الثغور وبنى بقيسارية مدينة ونزلها وجهز عليها العساكر وبعث أهل المصيصة وطرسوس في الصلح فامتنع وسار بنفسه إلى المصيصة فدخلها عنوة واستباحها ونقل أهلها إلى بلاد الروم وكانوا نحوا من مائتي ألف ثم سار إلى طرسوس واستنزل أهلها على الأمان وعلى أن يحملوا من أموالهم وسلاحهم ما قدروا عليه وبعث معهم حامية من الروم يبلغونهم أنطاكية وأخذ في عمارة طرسوس وتحصينها وجلب الميرة إليها ثم عاد إلى القسطنطينية وأراد الدمشق بن شمسيق ان يقصد سيف الدولة في ميافارقين ومنعه الملك من ذلك * ( انتقاض أهل أنطاكية وحمص ) * ولما استولى الروم على طرسوس لحق الرشيق النعيمي من قوادهم وأولى الرأي فيهم بأنطاكية في عدد وقوة فاتصل به ابن أبي الأهوازي من الجباة بأنطاكية وحسن له العصيان وأراه أن سيف الدولة بميافارقين عاجز عن العود إلى الشأم بما هو فيه من الزمانة وأعانه بما كان عنده من مال الجباة فأجمع رشيق الانتقاض وملك أنطاكية وسار إلى حلب وبها عرقوبة وجاء الخبر إلى سيف الدولة بأن رشيقا جمع الانتقاض ونجا ابن الأهواز إلى أنطاكية فأقام في امارتها رجلا من الديلم اسمه وزير ولقبه الأمير وأوهم أنه علوي وتسمى هو بالاشاد وأساء السيرة في أهل أنطاكية وقصدهم عرقوبة من حلب فهزموه ثم جاء سيف الدولة من ميافارقين إلى حلب وخرج إلى أنطاكية وقاتل وزيرا وابن الأهوازي أياما وجئ بهما إليه أسيرين فقتل وزير أو حبس ابن الأهوازي أياما وقتله وصلح أمر أنطاكية ثم ثار بحمص مروان القرمطي كان من متابعة القرامطة وكان يتقلد السواهل لسيف الدولة فلما تمكن ثار بحمص فملكها وملك غيرها في غيبة سيف الدولة بميافارقين وبعث إليه عرقوبة مولاه بدرا بالعساكر